محمد سعيد رمضان البوطي
38
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيّب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي » « 9 » . وروى ابن هشام كيفية إدخال عمرو بن لحيّ هذا ، عبادة الأصنام في العرب ، فقال : « خرج عمرو بن لحي من مكة إلى الشام في بعض أموره ، فلما قدم ( مآب ) من أرض البلقاء ، وبها يومئذ العماليق - وهم ولد عملاق ، ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح - رآهم يعبدون الأصنام ، فقال لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له : هذه أصنام نعبدها نستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا . فقال لهم : أفلا تعطونني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه ؟ فأعطوه صنما يقال له ( هبل ) فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه » « 10 » . وهكذا انتشرت عبادة الأوثان في الجزيرة العربية وشاع في أهلها الشرك ، فانسلخوا بذلك عما كانوا عليه من عقيدة التوحيد واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره ، وانتهوا إلى مثل ما انتهت إليه الأمم الأخرى من الضلالات والقبائح في المعتقدات والأفعال . وكان من أهم ما دفعهم إلى ذلك كله الجهل والأمية والتأثر بمن كان حولهم من أشتات القبائل والأمم . غير أنه بقيت فيهم بقية من الناس - وإن كانت تقل مع الزمن - ظلت متمسكة بعقيدة التوحيد ، سائرة على نهج الحنيفية : تصدق بالبعث والنشور وتوقن بأن اللّه يثيب المطيع ويعاقب العاصي ، وتكره هذا الذي استحدثه العرب من عبادة الأوثان وضلالات الرأي والفكر ، ولقد اشتهر من هذه البقية كثيرون ، كقس بن ساعدة الإيادي ورئاب الشنّيّ وبحيرا الراهب . كما أنه بقيت في عاداتهم بقايا من عهد إبراهيم ومبادئ الدين الحنيف وشعائره - وإن كانت تتضاءل وتضعف مع الزمن - فكانت جاهليتهم تظلّ منصبغة ، بقدر ما ، بآثار من شعائر الحنيفية ومبادئها ، وإن كانت هذه الشعائر والمبادئ لا تكاد تظهر في حياتهم إلا مشوّهة فاسدة . وذلك كتعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة وكالوقوف بعرفة وهدي البدن ، فأصل ذلك كله مشروع ومتوارث لديهم من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولكنهم كانوا يطبقونه على غير وجهه ويقحمون فيه الكثير مما ليس منه ، وكإهلالهم بالحج والعمرة ، فقد كانت كنانة وقريش يقولون
--> ( 9 ) سيرة ابن هشام : 1 / 76 والقصب الأمعاء . وروى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار » . الحديث بألفاظ متقاربة . والبحيرة المبحورة ذات الأذن المبحورة أي المشقوقة وهي التي يمنع درها عن الناس للطواغيت . والسائبة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم ، والوصيلة الناقة تترك للطواغيت إذا بكرت بأنثى ثم ثنت بأنثى . والحامي الفحل من الإبل لا يركب ولا يحمل عليه إذا لقح ولد ولده . ( 10 ) سيرة ابن هشام : 1 / 77 وانظر كتاب الأصنام لابن الكلبي : 8 و 9